يرى الكاتب جوناثان فريدلاند أن سجل بنيامين نتنياهو يكشف إخفاقًا صارخًا، ليس فقط في إدارة الحرب، بل في تحقيق أي مكسب استراتيجي حقيقي. ويقارن فريدلاند بين دور دونالد ترامب كواجهة صاخبة للحرب، وبين نتنياهو الذي ظل شريكًا أساسيًا فيها قبل أن ينتقل إلى دائرة الضوء مؤخرًا، مع تصاعد العمليات العسكرية وتوسع نطاقها.
توضح صحيفة الجارديان في طرحها أن نتنياهو يتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار التصعيد، خاصة مع تجاهله إشارات التهدئة الإقليمية. ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار ومفاوضات محتملة، واصل الجيش الإسرائيلي ضرباته في لبنان، ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى خلال دقائق، في مشهد يعكس تناقضًا حادًا بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
وعود “النصر الكامل”… بلا نتائج
يؤكد الكاتب أن نتنياهو بنى خطابه الداخلي على فكرة “النصر الكامل”، خاصة في غزة، حيث تعهد بالقضاء على حماس. لكن الواقع يكشف عكس ذلك؛ إذ لا تزال الحركة تسيطر على أجزاء من القطاع رغم حملة عسكرية عنيفة استمرت سنوات وأسفرت عن عشرات الآلاف من القتلى.
ويشير التحليل إلى أن الفشل لا يقتصر على غزة. في لبنان، أعلن نتنياهو سابقًا إضعاف حزب الله وتأمين الشمال الإسرائيلي، لكن الهجمات عادت مجددًا، ما اضطر آلاف الإسرائيليين للنزوح مرة أخرى. وفي إيران، كرر الخطاب نفسه بعد ضربات وُصفت بأنها “حسمت التهديد النووي”، قبل أن تعود طهران إلى المشهد بقوة خلال أشهر قليلة.
يعكس هذا النمط، وفق الكاتب، أزمة عميقة في الاستراتيجية: وعود كبيرة، نتائج محدودة، وواقع أمني يزداد تعقيدًا.
استراتيجية القوة… دائرة بلا نهاية
يعتمد نتنياهو، بحسب المقال، على عقيدة تقوم على توجيه ضربات متكررة للأعداء باعتبارها الطريق الوحيد للأمن. لكن هذه المقاربة لا تحقق سوى هدوء مؤقت، سرعان ما ينهار مع إعادة بناء الخصوم لقدراتهم.
وينقل الكاتب عن معارضين إسرائيليين أن المشكلة لا تكمن فقط في العمليات العسكرية، بل في غياب رؤية سياسية تواكبها. فلا يظهر أي جهد حقيقي لاستثمار الإنجازات الميدانية في حلول دبلوماسية، أو تحويل الخصوم إلى شركاء محتملين.
ويضرب مثالًا بلبنان، حيث يعارض جزء كبير من المجتمع وجود حزب الله، لكن الحكومة الإسرائيلية لا تخاطب هذا الواقع سياسيًا، بل تكتفي بالقصف، ما يبدد فرص بناء تفاهمات إقليمية.
كلفة باهظة داخليًا وخارجيًا
يسلط المقال الضوء على الثمن الإنساني والسياسي لهذه السياسات. فقدت الحرب أرواحًا لا تحصى، سواء في غزة أو لبنان أو داخل إسرائيل نفسها. كما تضررت صورة إسرائيل عالميًا بشكل غير مسبوق، مع تصاعد الاتهامات والعزلة الدولية.
ويشير الكاتب إلى تشريعات مثيرة للجدل داخل إسرائيل، مثل قانون يفرض عقوبات قاسية على الفلسطينيين دون غيرهم، ما يعمق الانتقادات الدولية ويعزز صورة الدولة ككيان منبوذ.
داخليًا، يعيش الإسرائيليون تحت ضغط مستمر، مع ملاجئ مكتظة، وتعطّل الحياة اليومية، وإغلاق المدارس، ما ينعكس على المزاج العام قبيل الانتخابات المقبلة.
بين صناديق الاقتراع ومستقبل الاستراتيجية
يرى الكاتب أن الناخب الإسرائيلي سيحسم مصير نتنياهو قريبًا، لكن السؤال الأعمق يتجاوز شخصه إلى النهج الذي يمثله. فحتى في حال خسارته، قد يظهر بديل من التيار نفسه يطرح النهج ذاته مع وعد بتنفيذه “بشكل أفضل”.
ومع ذلك، يطرح المقال احتمالًا مختلفًا: أن تدفع الإخفاقات المتكررة المجتمع الإسرائيلي لإعادة التفكير في الأساس، والاعتراف بأن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر تسويات سياسية، خاصة مع الفلسطينيين.
يخلص الكاتب إلى أن “ سياسة نتنياهو” لم تحقق أمنًا دائمًا، بل أدخلت إسرائيل في دوامة من الحروب المتكررة، وأضعفت موقعها الدولي، ورفعت كلفة الصراع إلى مستويات غير مسبوقة.

